Dr. Bahaa Helmy

Dr. Bahaa Helmy

Loading...
مقالات الرأي بالصحف

السلام من موقع القوة

السلام من موقع القوة

الميليشيا المسلحة ليست مجرد جماعة خارجة عن الدولة، بل كيان يستمد بقاءه من إضعاف مؤسساتها، ويحتكم إلى السلاح لا إلى القانون، ويرتبط غالبًا بأجندات خارجية تجعل قراره رهينة لغيره. وخطورتها أنها لا تتوقف عند حدود الدولة التي نشأت فيها، فتتحول إلى أداة لتهديد الجوار وزعزعة أمن المنطقة.

وما نشهده اليوم في اليمن والمملكة خير شاهد. فالتهدئة التي صمدت منذ 2022 تصدّعت في ظل حرب إقليمية أوسع، وتصاعدت الهجمات على المطارات السعودية، ومنها مطار الملك خالد في الرياض، حتى أصدرت السعودية ومصر وباكستان وتركيا بيانًا مشتركا يدين هجمات الحوثيين. واستهداف المطارات والمدنيين ومسارات الملاحة مخالف لقواعد القانون الدولي، ولا تبرره أي مظلومية أو غاية سياسية.

والحقيقة أن الحوثيين أصبحوا قوة ضاربة تملك ترسانة من الصواريخ والمسيرات، وتقدّر التحليلات أنهم حافظوا على قدراتهم العملياتية رغم الضربات التي تلقوها. وهذا ما يجعل الاحتواء المتأخر أصعب وأغلى. غير أن الردع لا يصنعه السلاح وحده، بل الموقف الواضح الذي يصدقه الخصم، ومن هنا تأتي أهمية الوضوح والصراحة التي يتسم بها الموقف الأمريكي وفقا لتصريحات الرئيس ترامب، فحين يدرك الخصم أن التهديد جاد، يصبح التفاوض أجدى. وهكذا يلتقي الحزم والحوار، لا ليلغي أحدهما الآخر، بل ليحمي أحدهما الآخر.

وأمام المنطقة ثلاثة مسارات:

تهدئة هشة تدار بالوساطات دون معالجة جذور الأزمة، فتبقى قابلة للانفجار مع أول شرارة، أو تصعيد مفتوح تتسع فيه رقعة النار ويدفع ثمنه المدنيون واقتصاد المنطقة والملاحة الدولية، أو تسوية شاملة برعاية إقليمية ودولية، تضبط السلاح خارج إطار الدولة وتصون مصالح الجميع.

وتشير تقارير، لم تؤكدها الرياض رسميا إلى عرض ايران الوساطة وفتح مفاوضات مباشرة مع قيادة الحوثيين، فإن صحت، فهي تؤكد أن باب الدبلوماسية لم يغلق.

ولا يجوز أن نكرر أخطاء الماضي! فقد كان الأجدر احتواء هذه الجماعات مبكرا بالسياسة والتوازن قبل أن تتحول إلى تهديد للجوار. لكن الخطأ الأكبر ليس في الحوار مع الخصوم بل في تركهم يكبرون حتى يصبح الحوار معهم أصعب وأغلى.

أما اليوم فلا بديل عن طريق السلام: تفاوض جاد من موقع الاتزان، يحفظ أمن المملكة والمنطقة، ويقطع الطريق على تكرار الأخطاء، ويحمى العباد والبلاد وقد يقف حائلا امام المخططات المزمع تنفيذها بالمنطقة.

فالغاية من الردع هي الوصول إلى تسوية، لا إطالة الحرب، والسلام الذي يبنى على توازن القوى أبقى من سلام يفرض بالقوة أو يشترى بالتنازل.