Dr. Bahaa Helmy

Dr. Bahaa Helmy

Loading...
مقالات الرأي بالصحف

المحليات.. حين يصبح الباب الأقرب إلى المواطن هو الأبعد عن العدالة

المحليات.. حين يصبح الباب الأقرب إلى المواطن هو الأبعد عن العدالة

حين يريد المواطن أن يبني بيتًا، أو يمدّ مرفقًا، أو يستخرج ترخيصًا، أو يردم حفرة أمام منزله، فهو لا يذهب إلى الوزارة ولا إلى مجلس الوزراء، بل إلى الحي أو الوحدة المحلية، هناك تتكون صورة الدولة في ذهنه "عادلة أو متعسفة، حاضرة أو غائبة، نزيهة أو مرتشية" ولهذا فإن أزمة المحليات ليست شأنا إداريا هامشيا، بل أزمة ثقة في الدولة نفسها.

أُنشئ «الشباك الواحد» ليختصر على المواطن المشوار، وهي خطوة محمودة، لكن من يسلم أوراقه من هذا الشباك يكتشف سريعا أن خلفه أبوابا مغلقة وإدارات منعزلة، وأن خطابا لا تفصله عن وجهته سوى جدار قد يستغرق أسبوعًا ليصل.

فتحولت الواجهة إلى ديكور جديد على إدارة قديمة، وبقي الإصلاح شكليا لأنه لم يمس من يملكون المفاتيح، والتأخير ليس بريئا دائما، فالبطء المصطنع هو أخصب بيئة لابتزاز الناس، إذ يدفع المواطن ثمن «التسهيل» وقتا أو مالًا.

وبيد هذه الجهات مصالح الناس الحيوية: المرافق، والتراخيص، والبناء، والحفر والردم، مخالفات البناء، جراجات وغيره، وكلما اتسعت السلطة وغابت الرقابة، اتسع باب التعسف، وحين لا يجد المواطن معيارا واضحا يعرف به حقه ومدة إنجاز طلبه، تتحول الإجراءات من حق مكفول إلى خدمة تمنح بالمعرفة أو بالمقابل. ## ولا ننكر أن في المحليات موظفين شرفاء يعملون بأمانة في ظروف صعبة، لكن غياب النظام يظلمهم أيضا، إذ يضعهم في سلة واحدة مع من أساء.

وجوهر المشكلة يبدأ من القمة المحلية: كيف تختار القيادات ورؤساء الاحياء الذين يسمكرون ابوابهم امام المواطنين اصحاب الحق؟ ما المعايير المعلنة؟ أين التأهيل والاختبار والمتابعة الميدانية والتقييم الدوري؟ حين تغيب المعايير يحل محلها القرب والعلاقات، ويصبح المنصب مكافأة لا مسؤولية، وتكون النتيجة قيادات لا تدرك معنى الدولة ولا معنى خدمة المواطن، فتتعامل مع صاحب الحاجة كمتقدم بطلب لا كصاحب حق، والقائد الذي لم يختار بالكفاءة لا يملك سلطة أخلاقية على مرؤوسيه، فتنهار الانضباطية من أعلى.

ويدفع الثمن المواطن أولًا بوقته وماله وثقته، وتدفعه الدولة ثانيًا، فالمحافظ الذي يجتهد يحاسَب أمام الناس على ما يفعله مرؤوس لا يعرفه، والحكومة التي تعمل بجد تنسب إليها صورة الموظف الفاسد او المرتشي. وهكذا يتحول خلل إداري محلي إلى عبء سياسي ومعنوي على الدولة كلها.

والمواطن في هذه المعادلة ملتزم دائمًا: يسدد الرسوم والغرامات، ويستوفي كل ورقة وكل ختم، وهذا حق للدولة لا جدال فيه، لكن العقد الاجتماعي له طرف آخر"حق المواطن في خدمة محددة المدة، واضحة الإجراءات، خالية من الاستجداء:

فإلى متى يظل المواطن يؤدي كل ما عليه، ثم لا يحصل على ما له إلا بعد عناء أو مقابل غير مشروع؟

والإصلاح ممكن، ويبدأ بخطوات واضحة: ميكنة حقيقية تربط الشباك الواحد بسير العمل خلفه، وتتيح للمواطن تتبّع طلبه ومعرفة من تأخر عنده، ومدد قانونية ملزمة لكل إجراء، مع مساءلة تأديبية عن التأخير غير المبرر، ورقابة مستقلة ومفاجئة وآلية شكوى تحمي الشاكي من الانتقام، ومعايير معلنة لاختيار القيادات تقوم على التأهيل والتقييم الدوري ومعايير النزاهة، وأجور عادلة للموظفين، فالراتب الضعيف مع السلطة الواسعة وصفة معروفة للفساد، ودور رقابي فعال للمجالس المحلية.

الدولة تقاس عند المواطن بأقرب مكتب إليه، وإذا أردنا دولة يطمئن إليها الناس، فلا يكفي أن نغير الواجهة ونترك ما خلف الأبواب، فإصلاح المحليات إصلاح لصورة الدولة وهيبتها وعدالتها في عيون من تخدمهم.